المشاركات الشائعة

الخميس، 28 مايو 2026

لا تدخل في اي جدال فانت الخسران

 كلمة العم الشيخ ابو صالح رحمه الله التي كان يرددها على كل من طلب منه تصديق ما قدمه من معلومة، وهي

( كل شيء ممكن يصير)

كان من أجمل ما يُروى عن ذلك الشيخ المعمّر ــ الذي تجاوز عمره قرنًا من الزمن ــ أنه جمع بين طول العمر وحسن الخلق، وبين الحكمة والتواضع، فصار مجلسه مدرسةً في الأدب قبل أن يكون مجلس حديث.

عاش بين أبنائه وأحفاده وأحفاد أحفاده محبوبًا قريبًا من القلوب، لا يرفع صوته في جدال، ولا يُدخل نفسه في خصومة فكرية أو نقاش عقيم، وكأن الزمن علّمه أن كثيرًا من الكلام يذهب، بينما يبقى أثر الأخلاق والسكينة.

وكان من أعجب ما عُرف عنه أنه إذا سمع خبرًا أو معلومة لا يملك الدليل عليها، لم يسارع إلى تكذيب الناس ولا إلى تصديقهم، بل يبتسم ابتسامته الهادئة ويقول:

“كل شيء ممكن يصير.”

لم تكن عبارته هروبًا من الحقيقة، بل كانت تربية راقية على التثبت، وعلى عدم الخوض فيما لا يحيط الإنسان به علمًا، خاصة في زمنٍ كثرت فيه الأخبار والشائعات، وتدفقت المعلومات من الإذاعات والسينما ووسائل التواصل دون تمحيص.

فأصبح من يجلس معه يتحرج من نقل أي خبر بلا دليل، ويتعلم أن الكلمة مسؤولية، وأن الوقار ليس في كثرة الجدل، بل في حسن الصمت، والتأني، واحترام عقول الآخرين.

وقد جاء هذا المعنى جليًا في كتاب الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾

ــ سورة الإسراء: 36

وقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾

ــ سورة الحجرات: 6

وفي السنة النبوية قال رسول الله ﷺ:

«كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع.»

ــ رواه مسلم

وقال ﷺ:

«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.»

متفق عليه

وكان هذا الشيخ يطبق هذه المعاني بفطرته وسلوكه، دون تكلف أو ادعاء، حتى صار حضوره يطفئ الجدل، ويزرع في النفوس أدب التثبت، واحترام حدود المعرفة.

وقد صدق الشاعر حين قال:

لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ

فلم يبقَ إلا صورةُ اللحمِ والدمِ

وقال آخر:

إذا تمَّ عقلُ المرءِ قلَّ كلامُهُ

وأيقنَ أنَّ الصمتَ بابُ السلامةِ

وقال الإمام الشافعي رحمه الله:

إذا نطق السفيه فلا تجبه

فخيرٌ من إجابته السكوتُ

إن الرجال الكبار لا يُقاسون بأعمارهم فقط، بل بما يتركونه من أثر في النفوس، وهذا الشيخ ترك درسًا عظيمًا في زمن الضجيج:

أن الإنسان لا يلزمه أن يخوض في كل شيء، ولا أن يجادل في كل خبر، وأن الاحترام الحقيقي يبدأ من قول:

“لا أعلم”، أو من تلك العبارة الحكيمة البسيطة:

“كل شيء ممكن يصير.”

رحمه الله رحمة واسعة

فقد تعلمت منه الشيء الكثير بفضل الله ثم بفضل هذه العبارة

من تجارب الماضي

 مانت بملزوم بالذي انت لست ملزم به:

في زمن كثرت فيه الأخبار، وتسارعت فيه الأحداث، وأصبح الإنسان يحمل العالم كله في هاتفه، انشغل كثير من الناس بأمور لا تعنيهم، ولا يملكون تغييرها، ولا يعود عليهم الاشتغال بها بخير في دينهم ولا دنياهم.

فتجد أحدهم يتابع كل قضية سياسية، وكل خلاف، وكل حدث عالمي، ويقضي الساعات الطويلة في الجدل والتحليل والغضب والخصومات، بينما بيته يحتاجه، وأبناؤه ينتظرون قربه، وقلبه يفتقد الطمأنينة، وصلته بالله تضعف شيئًا فشيئًا.

إن العاقل لا يوزع عمره في كل اتجاه، بل يعرف أولوياته، ويعلم أن الله سائله عن نفسه وأهله وعمله ووقته، لا عن كل ما يجري في الدنيا.

وقد ربّانا ديننا على هذا الأصل العظيم، فقال النبي ﷺ:

«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

حديث عظيم لو عمل الناس به لارتاحت القلوب، وقلت الخصومات، وسلمت المجالس، وحُفظت الأوقات.

فليس من الحكمة أن يحمل الإنسان هموم الدنيا كلها، ويتدخل في كل شأن، ويجعل عقله وقلبه معلقين بكل خبر وكل جدل، حتى ينسى نفسه وآخرته.

كم من إنسان يعرف تفاصيل السياسة العالمية، وأخبار الفنانين والرياضيين، والخلافات بين الناس، لكنه لا يحفظ من القرآن إلا القليل، ولا يعرف من السنن إلا النزر اليسير.

وكم من شخص يقضي ساعات طويلة يناقش قضايا لا يستطيع تغييرها، بينما والده أو والدته يحتاجان كلمة طيبة، أو أبناؤه يحتاجون جلسة حانية، أو جار فقير ينتظر مساعدة.

وقد قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾.

أي أن الإنسان يبدأ بإصلاح نفسه، والمحافظة على دينه، والقيام بواجبه، قبل الانشغال بالناس وأحوالهم.

وقال ﷺ:

«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز».

فالمؤمن الحقيقي يبحث عمّا ينفعه في دينه ودنياه، لا عمّا يرهقه ويشتت قلبه بلا فائدة.

ومن أعظم ما يرفع درجة الإنسان عند الله:

المحافظة على الصلاة، وتلاوة القرآن، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وتربية الأبناء، والإحسان إلى الزوجة، والصدقة، وكفالة المحتاجين، وإصلاح القلب واللسان.

فهذه الأعمال هي التي يجدها الإنسان يوم القيامة، وهي التي تنفعه في قبره، أما الجدل العقيم وتتبع الأخبار والانشغال بما لا طائل منه، فلن يحمل معه منه إلا التعب والحسرة وضياع الأوقات.

وكان السلف الصالح يكرهون كثرة الكلام فيما لا ينفع، ويعدّون حفظ الوقت من أعظم الغنائم.

قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:

“من عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه”.

وقد كانت والدتي رحمها الله تردد عليّ كلمة بقي معناها في نفسي طوال العمر، تقول:

«ما أنت بملزوم باللذي أنت لست ملزم به».

وهي حكمة عظيمة لو فهمها الناس لارتاحت نفوسهم.

فليس مطلوبًا منك أن تدخل في كل نقاش، ولا أن تتابع كل قضية، ولا أن تحمل همّ كل حدث، ولا أن ترضي كل الناس.

بل الزم ما ينفعك، وأصلح نفسك، واعتنِ بأهلك، وقرّب قلبك من الله، واجعل لك نصيبًا من القرآن والذكر والصدقة وفعل الخير.

فالإنسان مهما عاش، فإن أيامه معدودة، والعاقل من جعل عمره فيما يقرّبه من الله، وينفعه بعد موته.

نسأل الله أن يشغلنا بما ينفعنا، وأن يرزقنا الحكمة وحسن العمل، وأن يهدينا 

لافضل القول والعمل، وأن يجعل أوقاتنا عامرة بطاعته ومرضاته.