كلمة العم الشيخ ابو صالح رحمه الله التي كان يرددها على كل من طلب منه تصديق ما قدمه من معلومة، وهي
( كل شيء ممكن يصير)
كان من أجمل ما يُروى عن ذلك الشيخ المعمّر ــ الذي تجاوز عمره قرنًا من الزمن ــ أنه جمع بين طول العمر وحسن الخلق، وبين الحكمة والتواضع، فصار مجلسه مدرسةً في الأدب قبل أن يكون مجلس حديث.
عاش بين أبنائه وأحفاده وأحفاد أحفاده محبوبًا قريبًا من القلوب، لا يرفع صوته في جدال، ولا يُدخل نفسه في خصومة فكرية أو نقاش عقيم، وكأن الزمن علّمه أن كثيرًا من الكلام يذهب، بينما يبقى أثر الأخلاق والسكينة.
وكان من أعجب ما عُرف عنه أنه إذا سمع خبرًا أو معلومة لا يملك الدليل عليها، لم يسارع إلى تكذيب الناس ولا إلى تصديقهم، بل يبتسم ابتسامته الهادئة ويقول:
“كل شيء ممكن يصير.”
لم تكن عبارته هروبًا من الحقيقة، بل كانت تربية راقية على التثبت، وعلى عدم الخوض فيما لا يحيط الإنسان به علمًا، خاصة في زمنٍ كثرت فيه الأخبار والشائعات، وتدفقت المعلومات من الإذاعات والسينما ووسائل التواصل دون تمحيص.
فأصبح من يجلس معه يتحرج من نقل أي خبر بلا دليل، ويتعلم أن الكلمة مسؤولية، وأن الوقار ليس في كثرة الجدل، بل في حسن الصمت، والتأني، واحترام عقول الآخرين.
وقد جاء هذا المعنى جليًا في كتاب الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾
ــ سورة الإسراء: 36
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
ــ سورة الحجرات: 6
وفي السنة النبوية قال رسول الله ﷺ:
«كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع.»
ــ رواه مسلم
وقال ﷺ:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.»
متفق عليه
وكان هذا الشيخ يطبق هذه المعاني بفطرته وسلوكه، دون تكلف أو ادعاء، حتى صار حضوره يطفئ الجدل، ويزرع في النفوس أدب التثبت، واحترام حدود المعرفة.
وقد صدق الشاعر حين قال:
لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ
فلم يبقَ إلا صورةُ اللحمِ والدمِ
وقال آخر:
إذا تمَّ عقلُ المرءِ قلَّ كلامُهُ
وأيقنَ أنَّ الصمتَ بابُ السلامةِ
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:
إذا نطق السفيه فلا تجبه
فخيرٌ من إجابته السكوتُ
إن الرجال الكبار لا يُقاسون بأعمارهم فقط، بل بما يتركونه من أثر في النفوس، وهذا الشيخ ترك درسًا عظيمًا في زمن الضجيج:
أن الإنسان لا يلزمه أن يخوض في كل شيء، ولا أن يجادل في كل خبر، وأن الاحترام الحقيقي يبدأ من قول:
“لا أعلم”، أو من تلك العبارة الحكيمة البسيطة:
“كل شيء ممكن يصير.”
رحمه الله رحمة واسعة
فقد تعلمت منه الشيء الكثير بفضل الله ثم بفضل هذه العبارة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق