مانت بملزوم بالذي انت لست ملزم به:
في زمن كثرت فيه الأخبار، وتسارعت فيه الأحداث، وأصبح الإنسان يحمل العالم كله في هاتفه، انشغل كثير من الناس بأمور لا تعنيهم، ولا يملكون تغييرها، ولا يعود عليهم الاشتغال بها بخير في دينهم ولا دنياهم.
فتجد أحدهم يتابع كل قضية سياسية، وكل خلاف، وكل حدث عالمي، ويقضي الساعات الطويلة في الجدل والتحليل والغضب والخصومات، بينما بيته يحتاجه، وأبناؤه ينتظرون قربه، وقلبه يفتقد الطمأنينة، وصلته بالله تضعف شيئًا فشيئًا.
إن العاقل لا يوزع عمره في كل اتجاه، بل يعرف أولوياته، ويعلم أن الله سائله عن نفسه وأهله وعمله ووقته، لا عن كل ما يجري في الدنيا.
وقد ربّانا ديننا على هذا الأصل العظيم، فقال النبي ﷺ:
«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
حديث عظيم لو عمل الناس به لارتاحت القلوب، وقلت الخصومات، وسلمت المجالس، وحُفظت الأوقات.
فليس من الحكمة أن يحمل الإنسان هموم الدنيا كلها، ويتدخل في كل شأن، ويجعل عقله وقلبه معلقين بكل خبر وكل جدل، حتى ينسى نفسه وآخرته.
كم من إنسان يعرف تفاصيل السياسة العالمية، وأخبار الفنانين والرياضيين، والخلافات بين الناس، لكنه لا يحفظ من القرآن إلا القليل، ولا يعرف من السنن إلا النزر اليسير.
وكم من شخص يقضي ساعات طويلة يناقش قضايا لا يستطيع تغييرها، بينما والده أو والدته يحتاجان كلمة طيبة، أو أبناؤه يحتاجون جلسة حانية، أو جار فقير ينتظر مساعدة.
وقد قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾.
أي أن الإنسان يبدأ بإصلاح نفسه، والمحافظة على دينه، والقيام بواجبه، قبل الانشغال بالناس وأحوالهم.
وقال ﷺ:
«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز».
فالمؤمن الحقيقي يبحث عمّا ينفعه في دينه ودنياه، لا عمّا يرهقه ويشتت قلبه بلا فائدة.
ومن أعظم ما يرفع درجة الإنسان عند الله:
المحافظة على الصلاة، وتلاوة القرآن، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وتربية الأبناء، والإحسان إلى الزوجة، والصدقة، وكفالة المحتاجين، وإصلاح القلب واللسان.
فهذه الأعمال هي التي يجدها الإنسان يوم القيامة، وهي التي تنفعه في قبره، أما الجدل العقيم وتتبع الأخبار والانشغال بما لا طائل منه، فلن يحمل معه منه إلا التعب والحسرة وضياع الأوقات.
وكان السلف الصالح يكرهون كثرة الكلام فيما لا ينفع، ويعدّون حفظ الوقت من أعظم الغنائم.
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
“من عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه”.
وقد كانت والدتي رحمها الله تردد عليّ كلمة بقي معناها في نفسي طوال العمر، تقول:
«ما أنت بملزوم باللذي أنت لست ملزم به».
وهي حكمة عظيمة لو فهمها الناس لارتاحت نفوسهم.
فليس مطلوبًا منك أن تدخل في كل نقاش، ولا أن تتابع كل قضية، ولا أن تحمل همّ كل حدث، ولا أن ترضي كل الناس.
بل الزم ما ينفعك، وأصلح نفسك، واعتنِ بأهلك، وقرّب قلبك من الله، واجعل لك نصيبًا من القرآن والذكر والصدقة وفعل الخير.
فالإنسان مهما عاش، فإن أيامه معدودة، والعاقل من جعل عمره فيما يقرّبه من الله، وينفعه بعد موته.
نسأل الله أن يشغلنا بما ينفعنا، وأن يرزقنا الحكمة وحسن العمل، وأن يهدينا
لافضل القول والعمل، وأن يجعل أوقاتنا عامرة بطاعته ومرضاته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق